القاضي عبد الجبار الهمذاني

62

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قيل : أليس قد يجب من جهة الشرع الفعل لأنه مستحق ، لا لأنه لطف ولا لأنه ترك للمفسدة ؟ وكيف أغفلتم مثل هذا القسم ، وذلك مثل إقامة الحدود على المضر ؟ وإجراء الذم والمدح على من يستحقهما إلى ما شاكل ذلك ؟ . قيل له : إن إقامة الحدود لطف لمن يقيمها « 1 » وإن كان المضر لها « 2 » مستحقا ؛ لأن هذا الفاعل لا يستحق ذلك وإنما يفعله من جهة التعبد ، فيفارق حاله فيما يفعله حال القديم / تعالى من فعل العقاب . ولذلك يجوز ( ) ذلك ، ونقول فيه : إنه في حكم التفضل . ولا يجوز في مقيم الحد أن لا يفعله في الوقت الّذي ثبت وجوب فعله ، لأن ذلك تعبد ، فهو داخل فيما قدّمناه . فأما المدح والذم فيما يفعله المكلف من جهة السمع ، حتى لولا دليل السمع كان لا يحسن منه أن يفعله ، فلا بدّ من أن يكون لطفا ؛ ولذلك قلنا : إن ذم الكافر بكونه كافرا ، والفاسق بكونه فاسقا لما لم يعلم إلا بالشرع ، وجب كونه لطفا لمن يفعله . فأما كل ذم ومدح يحسن من جهة العقل فلا مسألة علينا فيه ، وإن كان لا يمتنع أن يقال في العقليات منه : إن وجه تقرّر وجوبه في العقل هو ما فيه من الصلاح . فإن قيل : أليس فيما ورد التعبد به ما يكون من فروض الكفايات ، فكيف يكون لطفا وفعل غيره يسقط عنه ؟

--> ( 1 ) في الأصل : « يقيمه » . ( 2 ) في الأصل : « له » والمراد وإن كان المضر مستحقا له .